التَّعْظِيم والْمِنَّة
في
{ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ }
لشيخ الإسلام وقاضي القضاة الإمام تقي الدين السبكي
رحمه الله تعالى ورضي عنه
هذه الرسالة الجامعة المانعة التي ذكرها الأئمة الأعلام وكانت محل عناية لديهم ومحل توجيه إليها وقد بالغ في ذكرها الإمام الحافظ السيوطي في مواضع كثيره ننقلها لكم من فتاوى الإمام شيخ الإسلام تقي الدين السبكي
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَظَّمَ نَبِيَّهُ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِهِ ، وَهَدَانَا إلَى كُلِّ خَيْرٍ ، إذْ وَصَّلَ سَبَبَنَا بِسَبَبِهِ .
وَبَعْدُ فَقَدْ حَصَلَ الْبَحْثُ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ } وَقَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ هُنَا أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ أَنَّهُ إنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ فِي زَمَانِهِ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ وَيُوصِي أُمَّتَهُ بِذَلِكَ ؛ وَفِي ذَلِكَ مِنْ التَّنْوِيهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمِ قَدْرِهِ الْعَلِيِّ مَا لَا يَخْفَى ، وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مَجِيئِهِ فِي زَمَانِهِمْ يَكُونُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ فَتَكُونُ نُبُوَّتُهُ وَرِسَالَتُهُ عَامَّةً لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ زَمَنِ آدَمَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَكُونُ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ كُلُّهُمْ مِنْ أُمَّتِهِ.
وَيَكُونُ قَوْلُهُ : { بُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً } لَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّاسُ مِنْ زَمَانِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَلْ يَتَنَاوَلُ مَنْ قَبْلَهُمْ أَيْضًا.
وَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ } وَإِنَّ مَنْ فَسَّرَهُ بِعِلْمِ اللَّهِ بِأَنَّهُ سَيَصِيرُ نَبِيًّا لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَوَصْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنُّبُوَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَمْرٌ ثَابِتٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِهَذَا { رَأَى اسْمَهُ آدَم مَكْتُوبًا عَلَى الْعَرْشِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ } فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى ثَابِتًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ بِمَا سَيَصِيرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ يَعْلَمُ اللَّهُ نُبُوَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَبْلَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَجْلِهَا أَخْبَرَ بِهَذَا الْخَبَرِ إعْلَامًا لِأُمَّتِهِ لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَيَحْصُلُ لَهُمْ الْخَيْرُ بِذَلِكَ .
فَإِنْ قُلْتَ : أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ ذَلِكَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ وَصْفٌ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِهِ مَوْجُودًا وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ بُلُوغِ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَيْضًا .
فَكَيْفَ يُوصَفُ بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَقَبْلَ إرْسَالِهِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ ؟
قُلْتُ قَدْ جَاءَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ فَقَدْ تَكُونُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : { كُنْتُ نَبِيًّا } إلَى رُوحِهِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى حَقِيقَتِهِ وَالْحَقَائِقُ تَقْصُرُ عُقُولُنَا عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَإِنَّمَا يَعْلَمُهَا خَالِقُهَا وَمَنْ أَمَدَّهُ بِنُورٍ إلَهِيّ.
ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الْحَقَائِقَ يُؤْتِي اللَّهُ كُلَّ حَقِيقَةٍ مِنْهَا مَا يَشَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشَاءُ ، فَحَقِيقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَكُونُ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ آتَاهَا اللَّهُ ذَلِكَ الْوَصْفَ بِأَنْ يَكُونَ خَلَقَهَا مُتَهَيِّئَةً لِذَلِكَ وَأَفَاضَهُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَصَارَ نَبِيًّا وَكَتَبَ اسْمَهُ عَلَى الْعَرْشِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِالرِّسَالَةِ لِيَعْلَمَ مَلَائِكَتُهُ وَغَيْرُهُمْ كَرَامَتَهُ عِنْدَهُ فَحَقِيقَتُهُ مَوْجُودَةٌ مِنْ
























